التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف يوميات

يوميات \\ أزل

أطلقت اسم "أزل" على مشروع تخرجي، فبعد ثماني ساعات من التيه في المعجم الوسيط والتخبط بين معاني الكلمات وأضدادها ومرادفتها بهدف الوصول إلى كلمة تصف علاقتي باللغة العربية، حط ناظراي على هذه الكلمة؛ أزل: أَيْ مُنْذُ القِدَمِ ،أَيْ مَا لاَ نِهَايَةَ لَهُ فِي أَوَّلِهِ. في الظاهر فقط كنت أبحث عن كلمة خفيفة تلفظها الشفتين دون جهد وتتسلل إلى شباك الذاكرة بسهولة. إلا إنني في الحقيقة كنت أحاول بشكل يائس بحق الوصول إلى كلمة تصف مدى الحزن الذي أحمله في داخلي، ذلك الحزن الذي سببته لي اللغة والذي  أشبه بأن يكون  صدمة بمؤخرة رأسك، لا يقتلك لكنه يبتعلك ويتكور حولك ويتسلل من رأسك ويستقر في صدرك، ويرتجف في دمك كما ترتجف الأحرف على السطور، ويتكوم على ظهرك المنحني من وزر الكلمات الثقيلة التي تخلى عنها أصحابها على رف منسي من الكتب، ظهرك الذي يحمل كل هذا الوهج دون أن يعي عبئه. اللغة العربية كانت مدخلاً لهذا "الأزرق" الذي يستقر في داخلي. تلك القصص التي أدور بها لأقع من شدة الدوار، والشخصيات التي لا أنفك عن الحديث معها والمرور بها، ذلك السحر الحزين المغلف بالدهشة الذي تتلقفه على هي...

يوميات \\ 8

لم أعد قادرة على قراءة نتف البياض التي تفصل الكلمة عن الأخرى. انعكاسي الذي أراه في المراة بت أتحاشى النظر فيه واستعضت عنه بانعكاس اصطدمت به على نافذة غرفتي المطلة على عالم لشدة قربه مني أصبح بعيداٌ بحيث لم تعد تطاله يداي . أبتلع دخان سيجارتي لتهضمه رئتي ببطىء وأحدق في عيناي التي تطلان على الفراغ وأغور أكثر في تجويفهما وأفكر بأن نهاية العالم قد وجدت خط بدايتها في بقع الظلام التي تسللت إلى بطانة عيناي.   لم يعد النوم يظلل تعبي, لم أعد أكترث لساعات الأرق الطويلة التي أقتلها بالتدخي ن وبأحلام اليقظة, أحلم بأني نائمة وبرجل اسمه مطر عيناه زرقاوان وشعره ضبابي وله نفس ثقيل ينفث من بين شفتيه غيوماً في أوعية مدببة صنعت من البلور الأخضر. افتح نافذتي الصغيرة وأعود لأحدق في السقف لاكتشف بأني لم أغفو, بل تأرجحت فقط على درجات الحلم وتعثرت بها لأعود إلى الأرق ولتضيع الأيام وتنجرف الى ضفاف عيني, لتتلخص حياتي بأكملها بثقبين أسفل الحاجبين و ظل تجعيدتين خجولتين تتطلان كلما ابتسمت.

يوميات \\ 7

هي تلك الخطوات التي تخطوها في شارع لا ينتهي. ذلك النوع من المشي الذي تتحاشى من خلاله النظر الى الوجوه المحيطة بك، وتظن بأن ظهرك المحني ليس إلا كتلة من الحزن المتحجرة، وبأن جسدك شفاف. ذلك المشي السريع الذي تتحاشى فيه التنفس لأن رئتاك من كثر ما امتلئتا بالدخان والخذلان لم تعد قادرتان على مجاراتك.  ذلك القلق الذي يعلق بالقدمين كالطين.  الطين، لم أعد أعلم متى تحولت الى قطعة من طين الصلصال، أجول بين ملاءات الأسرة المتسخة أبحث فيها عن يدين دافئتين لتعيد تشكيلي. ذلك الذي سرق ظلي حين أخذني أمام عتبة الباب. يديه اللتان تسللتا من ثقب ما في النافذة، تلك البقع السوداء التي ملئت أرضية الغرفة والسرير المعدني الذي كان عارياً من كل شيء إلا من وسادة لطخت بالعرق واللعاب ورعشات الخطيئة الأولى، عن الستارة التي كانت تنسدل منها الظلال لتقضم وجهه  ثم جسده كتفاحة. لأبقى وحيدة أمام الباب بنصف ظل، وبيد ثقيلة أرتديها حول عنقي قبل أن أخلد إلى النوم كل ليلة.

يوميات \\ 6

في بهو الفندق الذي أعمل فيه, كانت امرأة ثمانينية تغازل مرشدها السياحي. كان المرشد وسيماً بوجه وديع ,شعره الأملس يثب مع حركة رأسه كلما تكلم, عيناه زرقاوان متعبتان تكشفان حقيقة أنه في متوسط الثلاثينات -إن لم يكن في أواخرها- .  كانت المرأة تتحدث معه بحماسة مضيفةً ضحكةً صغيرةً بين كل جملة والأخرى -جميعنا نتحول إلى مراهقات في هذه المواقف- ,وبما أنها كانت الليلة الأخيرةأظنها كانت قد استجمعت شجاعتها التي تأخرت في الظهور,فقدوم النهايات يُسقط الحجاب عن الجبن والكبرياء الذي نلف أنفسنا  به، والنهايات قادرةٌ على حمل أوزار الخسائر صغيرةً كانت أم كبيرة.النهايات تمنحنا فرصةالإحتيال على ذاكرتنا وتعديل المشاهد بالطريقة التي تليق مع خيباتنا والأمال التي رهنها عليها.  *.*.* قالت له "لديك وجه بريء أرغب في تقبيله تقبيله إلى الأبد" أجابها بما أشبه أن يكون رداً الياً -يكشف حقيقة أنه لم يكن منصتاً لها أصلاً- بأن المطعم الذين سيقصدونه ليس بعيداً. وأكمل حواره حول الرحلة والطقس من غير أن يكون مدركاً لجملتها.   *.*.* لا أعلم, أدون هذا المشهد في مفكرتي وأعود إليك وأضحك,متجاهلةً ن...

يوميات \\ 5

أجول فارغة اليدين بين الأزقة وأحاول أن ألتقط بقاياك التي خلفتها قبل أن تتلاشى من أمامي إلى الأبد. ألتقط بعضاً من رائحتك التي علقت على وسادة السرير غير المرتب الذي كان ضيقاً ليسعني وحدي لكنه كان واسعاً بما يكفي لجسدينا معًا. أتتبع آثار يدك التي رسمها الغبار على تلك الأريكة الحمراء، وألاحق ممراً رُسم من ألف قبلة تبادلناها لتقودني إلى نهاية مسدودة تليق بي. باستطاعتي اليوم أن أزرع حقلاً كاملاً من أزهار عباد الشمس وأن أدفن أسفل كل واحدة منها جزءًا من سرنا الصغير الذي يشبه يدك، يدك التي تسللت إلى متاهتي ومسدت كل الكدمات التي كانت تسد أبواب الخروج. أجول بين الغرف الفارغة محاولةً القبض على ما تبقى من أنفاسنا الضائعة، ألتقطها كما تُلتقط البتلات، وأحفظها في داخلي حيث تزهر حديقة بأكملها، حديقةً تشبه وجهاً أألفه جيداً، وجهك.

يوميات \\4

ما زلت تلك الفتاة التي تختار الزاوية المنعزلة في المقهى. اختار البقعة التي تجعل من وجودي غير مرئياً للناس الغارقين في فواضهم. أجلس في صمت خفيف أراقب المارة والجالسين أرسم قصصاً عن الغرباء وأحتسي قهوتي ببطئ. أتساءل في نفسي عما إذا كنت قادراً على حفظ تفاصيلي الصغيرة، بأنني أفضل القهوة من دون وجه، بأني انتظرها بصبر لتركد وإن كنت على عجل أغسل وجه الكوب بمنديل ورقي لأرتشفه عارياً، أتساءل إن كنت تعلم أن عيار الفنجان الواحد عندي يساوي ثلاث سجائر. أتساءل إن كنت قادراً على حفظ ملامحي، تلك الشامة  الصغيرة التي ترقد فوق قرط أنفي بالضبط. أذناي الصغيرتان. شعري الذي أقصه بنفسي. أتساءل إن كنت قد وقعت في حب وحمتي الصغيرة الموجودة على ركبتي اليسرى. الندبات التي توزعت على جسدي كتذكار دائم على الانتصار، حرق على قدمي اليمنى، ثلاث ندبات خطية على ساقي اليسرى وعلى معصم يدي اليمنى. لم تكن تعي المعارك التي كنت أخوضها كل ليلة مع نفسي، تلك المعارك التي تخوضها مهزوم الجسد والروح إلا أنك تنجح بالانتصار فيها وأنت مكبل اليدين. كنت مؤمناً بالعقل،أجل، إلا أنك كنت جاهلاً بحقيقة مفادها أن العاطفة تنبع من ا...

يوميات \\ 3

كان أخرقاً في ممارسة الحب، لم يكن مقبلا بارعاً ايضا. كان يثمل من رشفة واحدة. ويعاني تكبلاً مزمناً في أمعاءه مما يجعل مزاجه نزقاً بشكل غير محتمل . لم يجد قراءة شعر السياب. وكان ذوقه رديئاً في الموسيقى. و لم يكن قادراً على سماع الموسيقى الخفيفة التي تصدح بشكل رقيق في الخلفية . تلك الموسيقى التي تقبع في الخلف، هي ما يجعل للسيمفونيات مذاقاً حلواً. أظن أنني مثلها، أقبع في الخلف وأصدر همهات غير محسوسة. أصدر ايقاعاً يجاهد كل يوم لأن يكون مسموعاً من قبل الصخب الذي يحيطني . ربما لم   يكن بارعاً في ممارسة الحب، ولم يكن مقبلاً بارعاً ولا سكيراً يثمل كل ليلة ليخرس رأسه. لم يكن يقرأ شعر السياب ولا يدرك الحزن الموجود في مقطوعة سوناتا القمر، إلا أنه كان قادراً على النوم، وقادراً على الكلام لساعات من غير أن يكون مهتماً حقاً إن كانت الاذن التي تقابله منصتة. كان سعيداً بوصل فراغات الهواء وغزلها بالوقت .  هناك سينما مهجورة توجد في الجزء الشرقي من المدينة حسبما أذكر. كانت السينما تلك من أبرز معالم المدينة فيما سبق. كان للدينار القدرة على شراء ساعة ونصف من السعادة النقية التي لا تستر...

سيارة نقل الموتى \\ يوميات 2

خلق الله الكون في سبعة أيام, في اليوم الأول خلق الله النور, وفي اليوم الثاني خلق السماء, وفي اليوم الثالث خلق اليابسة والماء وفي اليوم الرابع خلق الشمس والقمر, وفي اليوم الخامس خلق الطيور وكائنات البحر, وفي اليوم السادس خلق الحيوانات ثم البشر, وفي اليوم السابع استراح, وفي اليوم الثامن خلق خندقاً يطلق عليه البشر اسم الموت (لكنه لم يخبر أحداً بذلك). لا أعلم متى خلقت هوتي قد يعود تاريخها إلى الأزل, أو إلى اليوم الثامن, أو ربما حين رأيت سيارة نقل الموتى لأول مرة وأنا في طريقي إلى المنزل حين كنت في الصف الحادي عشر. كنت عائدة من المدرسة, ورأيت هذا الموكب الكبير من السيارات التي تمشي بهدوء وتتبع بصمتٍ صوت التراتيل الصادرة من سيارة نقل الموتى. كلا, لم تكن أول مرة, لم أعد أذكر تماماً المشهد, لذاكرتي طريقة غريبة في حفظ الذكريات وإعادة تأهيلها. أذكر السيارة التي حملت تابوت جدي, لم يكن تابوته مفتوحاً لكني كلما عدت إلى هناك أراه ممداً مغمضاً عينيه ويداه متقاطعتين تتوسدان صدره. أذكر أن العائلة منعت الأطفال من الذهاب إلى المقبرة لمراسم الدفن, أذكر السيارة أمام باب المنزل, وأفواج الناس المتزاح...

في غرفة الإنتظار// يوميات

الغرفة التي ترائت لي بأنها زرقاء قبل خمسة أشهر, بدت لي اليوم رمادية. الأزرق هو لون عينيه, هو لون الحبر الذي أدون به يومياتي, هو لون مدينة شفشاون التي لم أزرها بعد, هو لون الماء المالح, هو لون البحر, هو لون الدموع التي ذرفتها على جدتي, ولون موسيقى (تشيت بيكر), هو لون الكدمات التي تغطي قلبي الهزيل, هو لون كوكبنا الصغير من الفضاء, هو لون الحزن الذي رسمه فان كوخ في لوحته (ليلة النجوم) والتي علقت نسخة مقلدة مرسومة بإتقان على جدار غرفة الإنتظار. أما الرمادي فهو لون القمر, ولون مئزر مريم العذراء في أيقونتها المعلقة في ممر المنزل, ولون هواء هذه الغرفة وجدرانها, ولون وجوهنا التي مسحها الحزن, ولون قبعة الرجل الرمادي الذي  يجلس على يميني.  *.*.* تجلس مقابلي امرأة أربعينية. آثار البكاء تبدو واضحة على عيناها الذابلتين, يداها ترتجف وتحتسي الماء بجرعات صغيرة ومتفاوتة من قنينة ماء رخيصة. زوجها يمسك بيدها ويحاول أن يواسيها وأن يهدىء من روعها. ابنها يحاول أن يتصرف كرجل كبير وأن يقوم بدور "القبضاي" في مساندة العائلة الصغيرة التي انتهى مطافها في هذه الغرفة الضيقة التي سئمت من الناس...