التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

من الرسائل الحقيقية التي كتبت وأرسلت. // 5

عزيزي X, تحية خريفية أرسلها  إليك من غرفتي التي تطل على مدرسة زيد بن حارثة للذكور. أنتظر ليل الشتاء بفارغ الصبر, فهو فسحتي الوحيدة الهادئة  التي أخلو فيها لنفسي من صخب الحي الذي لا يهدأ طوال ساعات النهار. لذلك سأستغل الهدوء لكي أكتب لك, لأن بعض أجزاء اليوم لا تنتمي إلا لمن يفهمها. كنت حاضرة غائبة خلال الأسابيع الماضية, أحاول من خلالها المضي قدمًا نحو بداية جديدة أرسمها لنفسي.  أشعر بأن داخلي متعفن, بأن الجرذ الذي نحاول التخلص منه في المطبخ قد نفذ إلى داخلي ووجد رفقة طيبة هناك. لم نضطر إلى وضع سم أو تركيب مصيدة أو حتى ارتكاب مجزرة، لقد وجد مخرجًا مسالمًا لنفسه, بعيدًا عن الضجيج والأذى. أنا بخير, لكن الرطوبة تنخر داخلي, أجاهد لأن أحافظ على فكري متقدًا, لأن أعيد إشعال داراته الكهربائية المنطفئة. داخلي بات يشبه  قبوًا  رطبًا, يصلح لأن يكون منبتًا للفطر لا للفن. وهذا محبط جدًا, تلك المرحلة الانتقالية التي حدثتني عنها منذ سنة تقريبًا طالت، وقد باشر صبري القليل بالنفاذ. لقد ارتكبت خلالها أخطاءًا جسيمة لن أغفرها لنفسي حتى أنجح بتخطيها. هذه الأخطاء الجسيم...

يوميات \\ أزل

أطلقت اسم "أزل" على مشروع تخرجي، فبعد ثماني ساعات من التيه في المعجم الوسيط والتخبط بين معاني الكلمات وأضدادها ومرادفتها بهدف الوصول إلى كلمة تصف علاقتي باللغة العربية، حط ناظراي على هذه الكلمة؛ أزل: أَيْ مُنْذُ القِدَمِ ،أَيْ مَا لاَ نِهَايَةَ لَهُ فِي أَوَّلِهِ. في الظاهر فقط كنت أبحث عن كلمة خفيفة تلفظها الشفتين دون جهد وتتسلل إلى شباك الذاكرة بسهولة. إلا إنني في الحقيقة كنت أحاول بشكل يائس بحق الوصول إلى كلمة تصف مدى الحزن الذي أحمله في داخلي، ذلك الحزن الذي سببته لي اللغة والذي  أشبه بأن يكون  صدمة بمؤخرة رأسك، لا يقتلك لكنه يبتعلك ويتكور حولك ويتسلل من رأسك ويستقر في صدرك، ويرتجف في دمك كما ترتجف الأحرف على السطور، ويتكوم على ظهرك المنحني من وزر الكلمات الثقيلة التي تخلى عنها أصحابها على رف منسي من الكتب، ظهرك الذي يحمل كل هذا الوهج دون أن يعي عبئه. اللغة العربية كانت مدخلاً لهذا "الأزرق" الذي يستقر في داخلي. تلك القصص التي أدور بها لأقع من شدة الدوار، والشخصيات التي لا أنفك عن الحديث معها والمرور بها، ذلك السحر الحزين المغلف بالدهشة الذي تتلقفه على هي...

يوميات \\ 8

لم أعد قادرة على قراءة نتف البياض التي تفصل الكلمة عن الأخرى. انعكاسي الذي أراه في المراة بت أتحاشى النظر فيه واستعضت عنه بانعكاس اصطدمت به على نافذة غرفتي المطلة على عالم لشدة قربه مني أصبح بعيداٌ بحيث لم تعد تطاله يداي . أبتلع دخان سيجارتي لتهضمه رئتي ببطىء وأحدق في عيناي التي تطلان على الفراغ وأغور أكثر في تجويفهما وأفكر بأن نهاية العالم قد وجدت خط بدايتها في بقع الظلام التي تسللت إلى بطانة عيناي.   لم يعد النوم يظلل تعبي, لم أعد أكترث لساعات الأرق الطويلة التي أقتلها بالتدخي ن وبأحلام اليقظة, أحلم بأني نائمة وبرجل اسمه مطر عيناه زرقاوان وشعره ضبابي وله نفس ثقيل ينفث من بين شفتيه غيوماً في أوعية مدببة صنعت من البلور الأخضر. افتح نافذتي الصغيرة وأعود لأحدق في السقف لاكتشف بأني لم أغفو, بل تأرجحت فقط على درجات الحلم وتعثرت بها لأعود إلى الأرق ولتضيع الأيام وتنجرف الى ضفاف عيني, لتتلخص حياتي بأكملها بثقبين أسفل الحاجبين و ظل تجعيدتين خجولتين تتطلان كلما ابتسمت.

يوميات \\ 7

هي تلك الخطوات التي تخطوها في شارع لا ينتهي. ذلك النوع من المشي الذي تتحاشى من خلاله النظر الى الوجوه المحيطة بك، وتظن بأن ظهرك المحني ليس إلا كتلة من الحزن المتحجرة، وبأن جسدك شفاف. ذلك المشي السريع الذي تتحاشى فيه التنفس لأن رئتاك من كثر ما امتلئتا بالدخان والخذلان لم تعد قادرتان على مجاراتك.  ذلك القلق الذي يعلق بالقدمين كالطين.  الطين، لم أعد أعلم متى تحولت الى قطعة من طين الصلصال، أجول بين ملاءات الأسرة المتسخة أبحث فيها عن يدين دافئتين لتعيد تشكيلي. ذلك الذي سرق ظلي حين أخذني أمام عتبة الباب. يديه اللتان تسللتا من ثقب ما في النافذة، تلك البقع السوداء التي ملئت أرضية الغرفة والسرير المعدني الذي كان عارياً من كل شيء إلا من وسادة لطخت بالعرق واللعاب ورعشات الخطيئة الأولى، عن الستارة التي كانت تنسدل منها الظلال لتقضم وجهه  ثم جسده كتفاحة. لأبقى وحيدة أمام الباب بنصف ظل، وبيد ثقيلة أرتديها حول عنقي قبل أن أخلد إلى النوم كل ليلة.

يوميات \\ 6

في بهو الفندق الذي أعمل فيه, كانت امرأة ثمانينية تغازل مرشدها السياحي. كان المرشد وسيماً بوجه وديع ,شعره الأملس يثب مع حركة رأسه كلما تكلم, عيناه زرقاوان متعبتان تكشفان حقيقة أنه في متوسط الثلاثينات -إن لم يكن في أواخرها- .  كانت المرأة تتحدث معه بحماسة مضيفةً ضحكةً صغيرةً بين كل جملة والأخرى -جميعنا نتحول إلى مراهقات في هذه المواقف- ,وبما أنها كانت الليلة الأخيرةأظنها كانت قد استجمعت شجاعتها التي تأخرت في الظهور,فقدوم النهايات يُسقط الحجاب عن الجبن والكبرياء الذي نلف أنفسنا  به، والنهايات قادرةٌ على حمل أوزار الخسائر صغيرةً كانت أم كبيرة.النهايات تمنحنا فرصةالإحتيال على ذاكرتنا وتعديل المشاهد بالطريقة التي تليق مع خيباتنا والأمال التي رهنها عليها.  *.*.* قالت له "لديك وجه بريء أرغب في تقبيله تقبيله إلى الأبد" أجابها بما أشبه أن يكون رداً الياً -يكشف حقيقة أنه لم يكن منصتاً لها أصلاً- بأن المطعم الذين سيقصدونه ليس بعيداً. وأكمل حواره حول الرحلة والطقس من غير أن يكون مدركاً لجملتها.   *.*.* لا أعلم, أدون هذا المشهد في مفكرتي وأعود إليك وأضحك,متجاهلةً ن...

يوميات \\ 5

أجول فارغة اليدين بين الأزقة وأحاول أن ألتقط بقاياك التي خلفتها قبل أن تتلاشى من أمامي إلى الأبد. ألتقط بعضاً من رائحتك التي علقت على وسادة السرير غير المرتب الذي كان ضيقاً ليسعني وحدي لكنه كان واسعاً بما يكفي لجسدينا معًا. أتتبع آثار يدك التي رسمها الغبار على تلك الأريكة الحمراء، وألاحق ممراً رُسم من ألف قبلة تبادلناها لتقودني إلى نهاية مسدودة تليق بي. باستطاعتي اليوم أن أزرع حقلاً كاملاً من أزهار عباد الشمس وأن أدفن أسفل كل واحدة منها جزءًا من سرنا الصغير الذي يشبه يدك، يدك التي تسللت إلى متاهتي ومسدت كل الكدمات التي كانت تسد أبواب الخروج. أجول بين الغرف الفارغة محاولةً القبض على ما تبقى من أنفاسنا الضائعة، ألتقطها كما تُلتقط البتلات، وأحفظها في داخلي حيث تزهر حديقة بأكملها، حديقةً تشبه وجهاً أألفه جيداً، وجهك.

يوميات \\4

ما زلت تلك الفتاة التي تختار الزاوية المنعزلة في المقهى. اختار البقعة التي تجعل من وجودي غير مرئياً للناس الغارقين في فواضهم. أجلس في صمت خفيف أراقب المارة والجالسين أرسم قصصاً عن الغرباء وأحتسي قهوتي ببطئ. أتساءل في نفسي عما إذا كنت قادراً على حفظ تفاصيلي الصغيرة، بأنني أفضل القهوة من دون وجه، بأني انتظرها بصبر لتركد وإن كنت على عجل أغسل وجه الكوب بمنديل ورقي لأرتشفه عارياً، أتساءل إن كنت تعلم أن عيار الفنجان الواحد عندي يساوي ثلاث سجائر. أتساءل إن كنت قادراً على حفظ ملامحي، تلك الشامة  الصغيرة التي ترقد فوق قرط أنفي بالضبط. أذناي الصغيرتان. شعري الذي أقصه بنفسي. أتساءل إن كنت قد وقعت في حب وحمتي الصغيرة الموجودة على ركبتي اليسرى. الندبات التي توزعت على جسدي كتذكار دائم على الانتصار، حرق على قدمي اليمنى، ثلاث ندبات خطية على ساقي اليسرى وعلى معصم يدي اليمنى. لم تكن تعي المعارك التي كنت أخوضها كل ليلة مع نفسي، تلك المعارك التي تخوضها مهزوم الجسد والروح إلا أنك تنجح بالانتصار فيها وأنت مكبل اليدين. كنت مؤمناً بالعقل،أجل، إلا أنك كنت جاهلاً بحقيقة مفادها أن العاطفة تنبع من ا...

يوميات \\ 3

كان أخرقاً في ممارسة الحب، لم يكن مقبلا بارعاً ايضا. كان يثمل من رشفة واحدة. ويعاني تكبلاً مزمناً في أمعاءه مما يجعل مزاجه نزقاً بشكل غير محتمل . لم يجد قراءة شعر السياب. وكان ذوقه رديئاً في الموسيقى. و لم يكن قادراً على سماع الموسيقى الخفيفة التي تصدح بشكل رقيق في الخلفية . تلك الموسيقى التي تقبع في الخلف، هي ما يجعل للسيمفونيات مذاقاً حلواً. أظن أنني مثلها، أقبع في الخلف وأصدر همهات غير محسوسة. أصدر ايقاعاً يجاهد كل يوم لأن يكون مسموعاً من قبل الصخب الذي يحيطني . ربما لم   يكن بارعاً في ممارسة الحب، ولم يكن مقبلاً بارعاً ولا سكيراً يثمل كل ليلة ليخرس رأسه. لم يكن يقرأ شعر السياب ولا يدرك الحزن الموجود في مقطوعة سوناتا القمر، إلا أنه كان قادراً على النوم، وقادراً على الكلام لساعات من غير أن يكون مهتماً حقاً إن كانت الاذن التي تقابله منصتة. كان سعيداً بوصل فراغات الهواء وغزلها بالوقت .  هناك سينما مهجورة توجد في الجزء الشرقي من المدينة حسبما أذكر. كانت السينما تلك من أبرز معالم المدينة فيما سبق. كان للدينار القدرة على شراء ساعة ونصف من السعادة النقية التي لا تستر...

من الرسائل الحقيقية التي كتبت \\ 4

يقول بسام حجار: لشدة ما تخاف من الهاوية، تسقط فيها. ولشدة ما أخاف أن أبقى وحيدة، أنفيك بعيداً. ولشدة ما أخاف أن أكون سعيدة، أبعدك لأبقى مع كآبتي. لشدة ما أخاف أن تؤذيني، أقوم بأذيتك واهرب. كيف اشرح لك بأنك نجحت بأن تتسلل إلى داخلي، وبأنك نجحت في أن تسكن رفاً من رفوفي الداخلية وأن تزيل طبقات الغبار والعفن التي تراكمت عليها لمدة طويلة. كنت ارتدي قميصك المقلم، مستلقية على الجانب الايسر من السرير، مغمضةً عيناي، واستمع لاصواتي الداخلية التي تقول لي اهربي قبل ان ترطمي بالأرض وتتفتي الى أشلاء على أرضه الإسمنتية. جلست بجانبي ومسدت يدك على وجهي، وصمتت كل تلك الاصوات. أذكر الطريقة التي كنت تنظر إلي فيها، كانت تلك احدى اللحظات التي تتوقف فيها الارض عن الدوران ويختزل الوجود بأكمله بين المسافة التي كانت تفصل جسدينا العاريين عن بعضهما. بإمكاني أن أكتب عشر مجلدات عن تفاصيلك الصغيرة التي حفظتها عن ظهر قلب. فلا تجرؤ على سؤالي مرة أخرى إن كنت أذكر الطريقة التي كنت تنظر فيها الي. لشدة الايام الطويلة والوحيدة التي امضيتها برفقة تلك الاصوات والوجوه أصبحت كافرة حين يتعلق الامر بالايمان بال...

من الرسائل الحقيقية التي كتبت وأرسلت \\ 3

ذكرت لك من قبل بأنني أشعر بأن تدويناتي نبوءات، وبأن الشخصيات التي أكتب عنها ما هي إلا امتداد لي بشكل أو بآخر، وبأنني بصدد التحول الى أحدها، هذاإن لم أكن قد تحولت وانتهى الأمر.           قبل سنتين من الآن، انفطر قلبي. ربما الإنسان قادر على الإمساك بزمام أموره أمام أصعب مصائب الحياة والإنهيار أمام أبسطها، لشدة تفاهة رباطة جأشنا. لا يهم، إذن انفطر قلبي. كنت صغيرة وساذجة، وأمضيت ثلاثة أيام أرسم جدارية على حائط غرفتي. كثير من السجائر وكثير من الموسيقى. رسمت جدارية لوجوه متداخلة كالتي أرسمها عادة. الاّن نقلت سريري، وأصبحت أغفى أسفلها. الجدارية عبارة عن تسع وجوه واضحة وربما عشر وجوه أخرى مخفية وإن حدقت جيدًا فيها ستجد وجهي. تلك الجدارية والتدوينة أيضاً هي من محصلة الخوف الذي أحمله في داخلي، والذي أعيش معه مضطرة. أحاول أن أتجاهله، وأن أدعي أنني لا اسمع صوته الذي يحدثني، ووجهه الذي يطاردني كل ليلة. لا أعلم، لم أعد أعلم شيئاً. لم أعد أعلم كيف أعيش، وكيف أكل وكيف أشرب، لقد فقدت أبسط مهارات الحياة أثناء محاولتي للهرب من نفسي. لقد فقدت الكثير من وزني...

الوجوه التسعة

سيظنون بأن قد مسها جني أو شيطان، سيخنقونها بدخان البخور، وسيقطرون الزيت المقدس في عينيها نصف المغمضتين التي يتوارى خلفهما سواد بؤبؤيها، لكن لن يتراءى لأي منهم بأن المسخ الذي أمامهم كان الأقرب إلى الحقيقة منهم جميعاً.                                 *.*.*  شجرة التين التي تقابل النافذة تُأرجح دوائر الظلال التي رسمتها الستارة على جسدها الهزيل. تتمدد على سريرها الجديد الذي ألفته مدعية الموت. ماذا ستقول لهم عندما تستقيظ؟ كيف ستشرح لهم بأن عيناها قد تحولتا إلى ثقب أسود باستطاعته ابتلاع حياة بأكملها؛ بألوانها ووجهها وأسمائها وحروف علتها. كيف ستشرح لهم بأن للخوف يدان قادرتان على دفعك للركض، وبأن له رائحة رطبة، وطعم مر يتسلل إلى كل خلايا جسمك قبل أن يحط أخيراً في فمك؟ *.*.* (يدور المشهد بالعرض البطيء، تتحرك الشفاه دون أن تصدر صوتًا سوى الصمت، تصدح سوناتا القمر لبيتهوفن في الخلفية): تركض عارية القدمين باتجاه حرش القرية، أصا...

سيارة نقل الموتى \\ يوميات 2

خلق الله الكون في سبعة أيام, في اليوم الأول خلق الله النور, وفي اليوم الثاني خلق السماء, وفي اليوم الثالث خلق اليابسة والماء وفي اليوم الرابع خلق الشمس والقمر, وفي اليوم الخامس خلق الطيور وكائنات البحر, وفي اليوم السادس خلق الحيوانات ثم البشر, وفي اليوم السابع استراح, وفي اليوم الثامن خلق خندقاً يطلق عليه البشر اسم الموت (لكنه لم يخبر أحداً بذلك). لا أعلم متى خلقت هوتي قد يعود تاريخها إلى الأزل, أو إلى اليوم الثامن, أو ربما حين رأيت سيارة نقل الموتى لأول مرة وأنا في طريقي إلى المنزل حين كنت في الصف الحادي عشر. كنت عائدة من المدرسة, ورأيت هذا الموكب الكبير من السيارات التي تمشي بهدوء وتتبع بصمتٍ صوت التراتيل الصادرة من سيارة نقل الموتى. كلا, لم تكن أول مرة, لم أعد أذكر تماماً المشهد, لذاكرتي طريقة غريبة في حفظ الذكريات وإعادة تأهيلها. أذكر السيارة التي حملت تابوت جدي, لم يكن تابوته مفتوحاً لكني كلما عدت إلى هناك أراه ممداً مغمضاً عينيه ويداه متقاطعتين تتوسدان صدره. أذكر أن العائلة منعت الأطفال من الذهاب إلى المقبرة لمراسم الدفن, أذكر السيارة أمام باب المنزل, وأفواج الناس المتزاح...

في غرفة الإنتظار// يوميات

الغرفة التي ترائت لي بأنها زرقاء قبل خمسة أشهر, بدت لي اليوم رمادية. الأزرق هو لون عينيه, هو لون الحبر الذي أدون به يومياتي, هو لون مدينة شفشاون التي لم أزرها بعد, هو لون الماء المالح, هو لون البحر, هو لون الدموع التي ذرفتها على جدتي, ولون موسيقى (تشيت بيكر), هو لون الكدمات التي تغطي قلبي الهزيل, هو لون كوكبنا الصغير من الفضاء, هو لون الحزن الذي رسمه فان كوخ في لوحته (ليلة النجوم) والتي علقت نسخة مقلدة مرسومة بإتقان على جدار غرفة الإنتظار. أما الرمادي فهو لون القمر, ولون مئزر مريم العذراء في أيقونتها المعلقة في ممر المنزل, ولون هواء هذه الغرفة وجدرانها, ولون وجوهنا التي مسحها الحزن, ولون قبعة الرجل الرمادي الذي  يجلس على يميني.  *.*.* تجلس مقابلي امرأة أربعينية. آثار البكاء تبدو واضحة على عيناها الذابلتين, يداها ترتجف وتحتسي الماء بجرعات صغيرة ومتفاوتة من قنينة ماء رخيصة. زوجها يمسك بيدها ويحاول أن يواسيها وأن يهدىء من روعها. ابنها يحاول أن يتصرف كرجل كبير وأن يقوم بدور "القبضاي" في مساندة العائلة الصغيرة التي انتهى مطافها في هذه الغرفة الضيقة التي سئمت من الناس...

من الرسائل الحقيقية التي كتبت وأرسلت// 2

أعلم أني لم أقم بالكتابة إليك منذ أشهر ربما, لكن هذا لا يعني أن فكرة كتابة رسالة لك أرقتني طوال الفترة السابقة. لم أقم بكتابة أي شيء يذكر خلال الثلاثة أشهر الماضية ولا تتصور مدى شعوري بالإحباط والذنب إزاء ذلك.  الساعة الأن هي الثانية والنصف بعد منتصف الليل, في هذه الأوقات تحديداً, أي حينما أتأكد أن جميع من أحبهم يقبعون في أسرتهم, تنتابني رغبة محمومة في مشاهدة الأخبار والأنتحاب الشديد لحين أن تنفجر عيناي من البكاء. 5 سجائر مسروقة, وكوبان من القهوة, هم وقود هذه الليلة. لماذا كوبان قد تسأل نفسك, ربما كوبان من القهوة كفيلان بإشعالي لساعات الصباح الأولى. (وأنت على صواب).  قد تظن بأني لا أقوى على الكتابة الّان, لأن أصابعي الطويلة والمربعة ترتجف, وعلى الأغلب تظن بأني أستمع إلى موسيقى الجاز مجدداً, وبأني قد فردت حزني المعتاد على الطاولة. حاولت عدة مرات أن أباشر بالكتابة إليك إلا أنني استصعب البدايات دائماً, الصعوبة الكبيرة تكمن بأن أصف لك أفكاري المشوشة والعنيدة بعد أن أجمعها في نقطة لأباشر الحديث عنها.  ما زالت الأيام تضيع مني وتتسلل من بين أصابعي, وكلما حاولت أن...

عن لوليتا أُخرى

على الأريكة الحمراء الأسفنجية, في تلك الغرفة التي تقبع في الطابق الرابع في بناية رثة شبه مهجورة, جلست لوليتا تحدثه عن الألم الذي يتكور في داخلها ليأخذ شكل مشنقة.  لم تكن لوليتا جريئةً بما يكفي لأن تنظر في عينيه وتكلمه عن المسخ الذي صار يكبر في داخلها. في جو كئيب ومربك حاولت لوليتا أن تضبط إرتعاشاتها المضطربة وأن تستجمع شيئاً من الشجاعة لتفرد حزنها قطعة قطعة أمامه ليتأمل روحها العارية تحت ضوء الشمس الذي كان يتسلل من النافذة المضببة التي تطل على أحد الشوارع المزدحمة في عمان. لم تستطع لوليتا أن تحدثه عن تلك اليد التي حينما غطت فمها وكتمت أنفاسها لئلا يُكشف سره الصغير قد تحولت إلى مقصلة قطع بها لسانها وأنفاسها إلى الأبد. ما زالت لوليتا تتعثر بالكلام وتختنق بالكلمات كلما حاولت أن تعود إلى هناك.  همبرت ذهب, لكنه لم يغادر جسدها قط.  همبرت ليس رجلاً بالمعنى العادي الذي صوره نابكوف في روايته. لم يكن لهمبرت هنا رأس أو أنف أو فم أو حتى قدمين. لو كانت لوليتا قادرة على الرسم لرسمت جسداً ضخماً شاحباً بيدين كبيرتين وأظافر لوزية ومكان العينين لوضعت ثقباً أسود ,وعوضاً عن...