التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

يوميات \\ 3

كان أخرقاً في ممارسة الحب، لم يكن مقبلا بارعاً ايضا. كان يثمل من رشفة واحدة. ويعاني تكبلاً مزمناً في أمعاءه مما يجعل مزاجه نزقاً بشكل غير محتمل . لم يجد قراءة شعر السياب. وكان ذوقه رديئاً في الموسيقى. و لم يكن قادراً على سماع الموسيقى الخفيفة التي تصدح بشكل رقيق في الخلفية . تلك الموسيقى التي تقبع في الخلف، هي ما يجعل للسيمفونيات مذاقاً حلواً. أظن أنني مثلها، أقبع في الخلف وأصدر همهات غير محسوسة. أصدر ايقاعاً يجاهد كل يوم لأن يكون مسموعاً من قبل الصخب الذي يحيطني . ربما لم   يكن بارعاً في ممارسة الحب، ولم يكن مقبلاً بارعاً ولا سكيراً يثمل كل ليلة ليخرس رأسه. لم يكن يقرأ شعر السياب ولا يدرك الحزن الموجود في مقطوعة سوناتا القمر، إلا أنه كان قادراً على النوم، وقادراً على الكلام لساعات من غير أن يكون مهتماً حقاً إن كانت الاذن التي تقابله منصتة. كان سعيداً بوصل فراغات الهواء وغزلها بالوقت .  هناك سينما مهجورة توجد في الجزء الشرقي من المدينة حسبما أذكر. كانت السينما تلك من أبرز معالم المدينة فيما سبق. كان للدينار القدرة على شراء ساعة ونصف من السعادة النقية التي لا تستر...

من الرسائل الحقيقية التي كتبت \\ 4

يقول بسام حجار: لشدة ما تخاف من الهاوية، تسقط فيها. ولشدة ما أخاف أن أبقى وحيدة، أنفيك بعيداً. ولشدة ما أخاف أن أكون سعيدة، أبعدك لأبقى مع كآبتي. لشدة ما أخاف أن تؤذيني، أقوم بأذيتك واهرب. كيف اشرح لك بأنك نجحت بأن تتسلل إلى داخلي، وبأنك نجحت في أن تسكن رفاً من رفوفي الداخلية وأن تزيل طبقات الغبار والعفن التي تراكمت عليها لمدة طويلة. كنت ارتدي قميصك المقلم، مستلقية على الجانب الايسر من السرير، مغمضةً عيناي، واستمع لاصواتي الداخلية التي تقول لي اهربي قبل ان ترطمي بالأرض وتتفتي الى أشلاء على أرضه الإسمنتية. جلست بجانبي ومسدت يدك على وجهي، وصمتت كل تلك الاصوات. أذكر الطريقة التي كنت تنظر إلي فيها، كانت تلك احدى اللحظات التي تتوقف فيها الارض عن الدوران ويختزل الوجود بأكمله بين المسافة التي كانت تفصل جسدينا العاريين عن بعضهما. بإمكاني أن أكتب عشر مجلدات عن تفاصيلك الصغيرة التي حفظتها عن ظهر قلب. فلا تجرؤ على سؤالي مرة أخرى إن كنت أذكر الطريقة التي كنت تنظر فيها الي. لشدة الايام الطويلة والوحيدة التي امضيتها برفقة تلك الاصوات والوجوه أصبحت كافرة حين يتعلق الامر بالايمان بال...

من الرسائل الحقيقية التي كتبت وأرسلت \\ 3

ذكرت لك من قبل بأنني أشعر بأن تدويناتي نبوءات، وبأن الشخصيات التي أكتب عنها ما هي إلا امتداد لي بشكل أو بآخر، وبأنني بصدد التحول الى أحدها، هذاإن لم أكن قد تحولت وانتهى الأمر.           قبل سنتين من الآن، انفطر قلبي. ربما الإنسان قادر على الإمساك بزمام أموره أمام أصعب مصائب الحياة والإنهيار أمام أبسطها، لشدة تفاهة رباطة جأشنا. لا يهم، إذن انفطر قلبي. كنت صغيرة وساذجة، وأمضيت ثلاثة أيام أرسم جدارية على حائط غرفتي. كثير من السجائر وكثير من الموسيقى. رسمت جدارية لوجوه متداخلة كالتي أرسمها عادة. الاّن نقلت سريري، وأصبحت أغفى أسفلها. الجدارية عبارة عن تسع وجوه واضحة وربما عشر وجوه أخرى مخفية وإن حدقت جيدًا فيها ستجد وجهي. تلك الجدارية والتدوينة أيضاً هي من محصلة الخوف الذي أحمله في داخلي، والذي أعيش معه مضطرة. أحاول أن أتجاهله، وأن أدعي أنني لا اسمع صوته الذي يحدثني، ووجهه الذي يطاردني كل ليلة. لا أعلم، لم أعد أعلم شيئاً. لم أعد أعلم كيف أعيش، وكيف أكل وكيف أشرب، لقد فقدت أبسط مهارات الحياة أثناء محاولتي للهرب من نفسي. لقد فقدت الكثير من وزني...

الوجوه التسعة

سيظنون بأن قد مسها جني أو شيطان، سيخنقونها بدخان البخور، وسيقطرون الزيت المقدس في عينيها نصف المغمضتين التي يتوارى خلفهما سواد بؤبؤيها، لكن لن يتراءى لأي منهم بأن المسخ الذي أمامهم كان الأقرب إلى الحقيقة منهم جميعاً.                                 *.*.*  شجرة التين التي تقابل النافذة تُأرجح دوائر الظلال التي رسمتها الستارة على جسدها الهزيل. تتمدد على سريرها الجديد الذي ألفته مدعية الموت. ماذا ستقول لهم عندما تستقيظ؟ كيف ستشرح لهم بأن عيناها قد تحولتا إلى ثقب أسود باستطاعته ابتلاع حياة بأكملها؛ بألوانها ووجهها وأسمائها وحروف علتها. كيف ستشرح لهم بأن للخوف يدان قادرتان على دفعك للركض، وبأن له رائحة رطبة، وطعم مر يتسلل إلى كل خلايا جسمك قبل أن يحط أخيراً في فمك؟ *.*.* (يدور المشهد بالعرض البطيء، تتحرك الشفاه دون أن تصدر صوتًا سوى الصمت، تصدح سوناتا القمر لبيتهوفن في الخلفية): تركض عارية القدمين باتجاه حرش القرية، أصا...

سيارة نقل الموتى \\ يوميات 2

خلق الله الكون في سبعة أيام, في اليوم الأول خلق الله النور, وفي اليوم الثاني خلق السماء, وفي اليوم الثالث خلق اليابسة والماء وفي اليوم الرابع خلق الشمس والقمر, وفي اليوم الخامس خلق الطيور وكائنات البحر, وفي اليوم السادس خلق الحيوانات ثم البشر, وفي اليوم السابع استراح, وفي اليوم الثامن خلق خندقاً يطلق عليه البشر اسم الموت (لكنه لم يخبر أحداً بذلك). لا أعلم متى خلقت هوتي قد يعود تاريخها إلى الأزل, أو إلى اليوم الثامن, أو ربما حين رأيت سيارة نقل الموتى لأول مرة وأنا في طريقي إلى المنزل حين كنت في الصف الحادي عشر. كنت عائدة من المدرسة, ورأيت هذا الموكب الكبير من السيارات التي تمشي بهدوء وتتبع بصمتٍ صوت التراتيل الصادرة من سيارة نقل الموتى. كلا, لم تكن أول مرة, لم أعد أذكر تماماً المشهد, لذاكرتي طريقة غريبة في حفظ الذكريات وإعادة تأهيلها. أذكر السيارة التي حملت تابوت جدي, لم يكن تابوته مفتوحاً لكني كلما عدت إلى هناك أراه ممداً مغمضاً عينيه ويداه متقاطعتين تتوسدان صدره. أذكر أن العائلة منعت الأطفال من الذهاب إلى المقبرة لمراسم الدفن, أذكر السيارة أمام باب المنزل, وأفواج الناس المتزاح...

في غرفة الإنتظار// يوميات

الغرفة التي ترائت لي بأنها زرقاء قبل خمسة أشهر, بدت لي اليوم رمادية. الأزرق هو لون عينيه, هو لون الحبر الذي أدون به يومياتي, هو لون مدينة شفشاون التي لم أزرها بعد, هو لون الماء المالح, هو لون البحر, هو لون الدموع التي ذرفتها على جدتي, ولون موسيقى (تشيت بيكر), هو لون الكدمات التي تغطي قلبي الهزيل, هو لون كوكبنا الصغير من الفضاء, هو لون الحزن الذي رسمه فان كوخ في لوحته (ليلة النجوم) والتي علقت نسخة مقلدة مرسومة بإتقان على جدار غرفة الإنتظار. أما الرمادي فهو لون القمر, ولون مئزر مريم العذراء في أيقونتها المعلقة في ممر المنزل, ولون هواء هذه الغرفة وجدرانها, ولون وجوهنا التي مسحها الحزن, ولون قبعة الرجل الرمادي الذي  يجلس على يميني.  *.*.* تجلس مقابلي امرأة أربعينية. آثار البكاء تبدو واضحة على عيناها الذابلتين, يداها ترتجف وتحتسي الماء بجرعات صغيرة ومتفاوتة من قنينة ماء رخيصة. زوجها يمسك بيدها ويحاول أن يواسيها وأن يهدىء من روعها. ابنها يحاول أن يتصرف كرجل كبير وأن يقوم بدور "القبضاي" في مساندة العائلة الصغيرة التي انتهى مطافها في هذه الغرفة الضيقة التي سئمت من الناس...

من الرسائل الحقيقية التي كتبت وأرسلت// 2

أعلم أني لم أقم بالكتابة إليك منذ أشهر ربما, لكن هذا لا يعني أن فكرة كتابة رسالة لك أرقتني طوال الفترة السابقة. لم أقم بكتابة أي شيء يذكر خلال الثلاثة أشهر الماضية ولا تتصور مدى شعوري بالإحباط والذنب إزاء ذلك.  الساعة الأن هي الثانية والنصف بعد منتصف الليل, في هذه الأوقات تحديداً, أي حينما أتأكد أن جميع من أحبهم يقبعون في أسرتهم, تنتابني رغبة محمومة في مشاهدة الأخبار والأنتحاب الشديد لحين أن تنفجر عيناي من البكاء. 5 سجائر مسروقة, وكوبان من القهوة, هم وقود هذه الليلة. لماذا كوبان قد تسأل نفسك, ربما كوبان من القهوة كفيلان بإشعالي لساعات الصباح الأولى. (وأنت على صواب).  قد تظن بأني لا أقوى على الكتابة الّان, لأن أصابعي الطويلة والمربعة ترتجف, وعلى الأغلب تظن بأني أستمع إلى موسيقى الجاز مجدداً, وبأني قد فردت حزني المعتاد على الطاولة. حاولت عدة مرات أن أباشر بالكتابة إليك إلا أنني استصعب البدايات دائماً, الصعوبة الكبيرة تكمن بأن أصف لك أفكاري المشوشة والعنيدة بعد أن أجمعها في نقطة لأباشر الحديث عنها.  ما زالت الأيام تضيع مني وتتسلل من بين أصابعي, وكلما حاولت أن...